نحن نُجبر أن نُدس في جلباب
الكرامة .. نُطعن ألف مرة لكننا لا نموت .. غريب جداً المنطق المبني على الحُب ..
برأيي ، أن الحُب لا منطق له !
لم أجئ هذه المرة للتوسل أو البكاء
على أطلالك ، جئت لأشفى منك .. لأتخلص من ذاكرة تُتعبني جداً في سبيل الخلاص من
وعودك .. كان من أكبر الذنوب أن أدسك في تفاصيلي ، أن أُحاول تخليدك فيَّ بنحتِك
على قلبي ، بذكرك في كل الشوارع التي أمر بِها ، كنتُ أحاول تقديسك ... للدرجة
التي نسيت فيها أنك رجل .. لولا وعودك الوافرة .. نحنُ فقط القادرون على دس الوجع
في أنفسنا .. و الوحيدون القادرون على جلب التعاسة لأنفسنا .. لم أجئ للتوسل ..
أنا هنا للتخلص مما تبقى منك باسم الحُب .. كانت مُهلة كافية أن أُعطيكَ ليالٍ
طويلة من الغياب ، و التفكير .. و البُعد و الهجر و الجفاء .. مُدة كافية تنتهي
بانتهاء الخميس .. مضى الخميس و لم تأتِ لي بكلمَة .. هُنا تقف الكرامة عبئا على
ما بينك وبيني ، أعتذر ... كُنت متشبثة بك لحد الفناء .. تركتني على ضفّة نهرٍ وحيدة
.. تركتني أصارع الموت بين عبور النهر ، و البقاء مُنقطعة عن كُل شيء .. أيقنت
مؤخراً أن السعادة ليست في رجل ، و أن الرجال مصدر تُعس لا أكثر .. مهما طالت مُدة السعادة معهم ، فهم في الأخير يجلبون
التُعس و الموت .. امرأة مثلي لم تكُن لتصدق أنها وجدت نورها وضالتها بعد طول تِلك
السنين .. أن تجد الحُب و الفرح .. لكن ، أتذكر حين قلت لك بأن ما يأتي بسرعة ، لا
يتأخر في الرحيل ؟ أتذكر كم من الوعود انهمرت علي منك ؟ كم من القسم سكبت في تِلك
الليالي ألا يفصل بيننا سوى ذنب الخيانة ؟ أتعلم كيف صِنتك في نفسي ، من هواء و
ماء و كل ما ذُكِّر في لُغتي ؟ مِتتُ في مِحراب حُبك .. حبست نفسي في صدرك .. على
أن أُحسب ضمن الوافيين المُخلصين في قاموسك ، كي لا يحول بيني وبينك فراق .. أتعلم
كم كان من الصعب علي أن أتغير وقناعاتي من أجل رجل ؟ أن أتجرّد مني ، من أجلك ! من
هُنا بعد أن انتهت مهلتك و لم تأتِ بقرارك ، قررتُ انا الرحيل .. و التمسك بحبل
الذكريات الموهن ، أن لا أترك لك المجال في تملكّي بعد اليوم ، أنا لا أُريد منك
وعداً بحياة مُستقبلية باهرة ، ولا أُريد إضاعة الوقت في البكاء عليك .. كفاني منك
وعوداً تُرسل للسماء الثامِنة ثم تعود مُحمّلة بالكذب ، ها أنا الآن أرحل و أنا أجر
معي ذيول الخيبة و الخذلان .. و أنا أؤنب نفسي كيف صدقتُ رجلاً بعد أن كُنت أراهم
يمتهنون الكذب ، و يحترفونه ، صمتك الصاخب لا يعني سوى .. ارحلي ، لم يعُد لكِ شيئا
بيني و بيني ، عندما أقف أنا بكامل أنوثتي صارخةً في وجه العالِم من أجلك ، و أن
تقِف أنت موطئ الرأس بكامل رجولتك ، خائباً من حُبك ، لا تملك أن تُدافع عنه أمام
اقرب ناسك .. هُنا تُختصر الحكاية ، الحب و اللا حُب .. و لا شيء بينهما ...
جميعنا يبدأ لينتهي ، أنا أحلم بنهاية سعيدة .. و أنت تنتهي معي بكذبِة .. كي تبدأ
بداية أسعد ! أنا لا اتهمك بالكذِب في حينٍ قُلتَه ، أنا أتهمك بغدرِ وافر الوعود
التي أسقطتها علي كجبلٍ من السعادة .. كنتُ أحلم معك .. حلم أجمل من الواقع ، ثم
أفقت على كابوس .. كالسيف ، صاعقة على رأسي ..!! وفاجعة لقلبي ... كيف كنت أدس
الوجع في قلبي دون أن أعلم ؟ كيف كنت أُكدِّس الألم ليومٍ قادِم .. كيف كنت أُصدق
الرجال ، أنا التي كنت أحذرهن دائما من غدر الرجال ، و كذب الرجال و الرجولة
المُنمّقة ... ؟
ها أنا أكتب لك نصّي الأخير ..
لأُخلّصك مني ، و أتخلص من وعودك .. ها أنا أُغلق باب قلبي بالشمع الأحمر .. على
ألا يستحقه أحد بعد اليوم .. لا يبكيه و لا يؤلمه أي أحد ... ربما تكون قد فهمت
بكائي أمامك ضُعفاً مني ، لم يكن ضعفاً ولا انكساراً .. كان حُباً .. كان بكاء
رغبة ، و اشتياق .. و عتب على الأيام بما فعلته فيَّ .. لم أكن أنتظر الحُب لكنّه
داهمني فجأة ثم فجأة هرب.
أنا لا أُلقي اللوم عليك .. بل أنا
المذنبة الأولى في أن سلمتك إياني بكامل الحُب ، في أن قدستك للدرجة التي تجبّرت
فيها علي في أن ترحل تاركاً إياي مهشمة و تائهة لا أعي كيف هي الحياة دونك .. لم
تكن مذنباً قط .. أنا أولى و آخر المُتهمين ، أن الوحيدة التي من المفترض أن تُلام
، أو أن تُعاقب كما يقع علي أشد العقاب الآن .. ها أنا أشد الرحال ، لستُ راجية
منك شيئا ، فقط أسأل الله أن يمن علي بالصبر و السلوان ، في فقدك .. أن أتقبل أصدق
التعازي في موتِ الحُب .. كنتُ صادقة جداً في كل خوف كان ينتابني ، كنتُ أدرك ،
أنك رجل .. رجل في كُلِ المعاني ... إلا وعودك.
لستُ نادِمة ، فقد أضفت لرصيد
حياتي شيئا من الحُب الذي سأحيا به طفلةً من جديد ، و أموت به عجوز كهلة ، سأُخبر
طفلتي عنك ، و سأحذرها من أن تقعَ في فخّ وعود الرجال .. سأدللها ، حتى لا تُنصت
لرجل .. سأخبرها كيف عشت الحُب معك و كيف كتبتك .. كيف كنت أرسمك في كلماتي ، وكيف
تجرعتك ألم ، ومزقتني!
أنا لا أكتب لك لتعود ، فقد قطعت
عهداً على نفسي بألا أقبل أي الرجال ، إلا من يطرق بابي دون وعود يسكُبها في خمرِ
ذاكرتي ، كي أثمل به ، ثم يرحل واهماً
إياي أنه معذور و أني كُنت ثمِلة و لا أعي ما أصدق .. وأي عذر ذاك الذي أقبح من كل
الذنوب ؟ كُنتُ الخطأ الوحيد في حياتك ، الذي طالما قُلتَ لي أني لو كنتُ خطأً
فسأكون أصحُ من الصحيح ذاته .. أخبرني ؟ كيف لقلبك المؤمن أن يُجرم في حقِ من
أحبته بهذه البشاعة ؟ ربما فعلاً ، قد " أحببتك أكثر مما ينبغي " ..
لكنّك لا تستحق سوى الرحيل مني ، و ابقاء بعضاً مني فيك .. ربما فعلاً سأرحل ،
لكنّي موقنة أنك ستعلم يوماً ما كم كُنتَ ثرياً بي ، كم ستبقى فقيراً بغيري ، و
عُسر الحال سيذكّرك بسخائي معك و كرمي فيك .. يوماً ما ستدُرك أنك فقدت الغِنى في
الحُب .. أنا امرأة لا تُنسى ، صدقّني .. ستذكرني دائماً .. حتى عندما تحاول
الهروب منّي و أنا أقف أمامك شامخة رغم ذبول عيناي ، سيؤلمك جداً فقدي ، ستذكُر
كيف كنتُ أملي عليك يومك .. ستُدرك أنك خسرت .. و خسرت قلباً لن يحويك سواه يوماً
.. أنا لا أمُنّ عليك .. أنا فقط أذكرك .. أُذكرك بأنك سكنتَ روح أُنثى ، قتلتها
أنتَ بكل جُرم .. لم تمُت ، بل زادت قوّة ، لم تتحطم ، بل أجبرتها سهامِك على
الوقوف و التحدي .. ربما سترتاح الآن من كثرة الاتصالات ، من كثرة السؤال ، من
التحقيق و التدقيق ، و الخوف المفرط ، ربما ستنعم بحياة مستقلة بعيدة عن كُل
الاسئلة و الأجوبة التي كانت ترافقك معي ، فلتهنأ ، ان المرأة التي لا تُحب ، لا
يهمها كيف أنت.. تريد التملّك فقط .. و لم أكُن أتملّكك ، كنت أملكك ، و أملكني
إياك .... قُل لي ما الذي لم تنعم به معي ؟ لا أمن مرة أخرى .. لكنّ الذكرى تنفع
المؤمنين.
في الحقيقة أنا قوية جداً .. رغم
كل الضجيج بداخلي الذي يكاد يودي بي للصمم
.. و بما أنك قررت الرحيل ، لا تنسَ أن تأخذني معك في حقيبة النسيان ، لا
تنسَ أن تدسني في ذاكرة نسيانك .. الخيانة أنواع .. منها أن تخونني مع امرأة ، أو
ربما أن تخون أمانتك في نفسي ، أو أن تنقض وعداً من حرير! ..... كنتُ أتحلى بك ، أجبرني على خوض المعارك
مع ذاتي ، أصبر إن تطلب الأمر ، أتحمل و اصمت أكثر .. أن أغنيك .. كي تعشقني أكثر
.. أن أكتبك لأعبر لك عما في القلب ، أهنئك .. فقد وُلد فيني الحُب منذك ....!
لا أفهم ، كيف تُحاول سلب الحُب من
قلبي ، وسلخ روحي منّي ، كيف تتلذذ بسماع صرخاتي ؟ ما الذي علي فعله بعد أن
تحتقرني بصمتك و غيابك ، و تجاهلك لي ... ما الذي تتعمد ايصاله أو ايضاحه ؟ أهكذا
يكون ملل الرجال ؟ أم أن هُناك من تستحق أن تكتبك أكثر مني ؟ هُنا وللمرة الأخيرة أقول .. أنا
أوضّب حقائب الرحيل ، لم يعُد لوجودي معنىً هنا .. ولم يتبقى مني صبر و لا أمل ..
كُنت متشبثّة بآخر حبال الأمل .. كنتُ أتضرع للمولى أن يعيدك لي .. لكنّي أصبحت
أردد .. أن كل ما يحدث خيرة .. ربما قراري هذا .. سأحمد الله عليه بعد مُدة من
الآن ... نحن لا نشعر بالألم إلا عندما يبرُد .. ستشعر برحيلي ، عندما لا تسمع لي
صدىً و لا ترى لي ظل !
سأشبعك نسياناً كما أشبعتك حُباً
.. لكنّك جشِعٌ جداً ، لا تشبع أبداً .. لا يكفيك الحُب ، و لا تكفيك كتاباتي ،
طمِع جداً ، لا يرويك ماء قلبي الذي ارتشفته بعشق ... أنا ألمُ أمتعتي ، أجُرّ
خذلاني .. و أرحل بعيداً .. قد لا ترى منّي سوى جسد مُتعب من محاولات النسيان ،
لكنّي سأنسى ... قد ترى عين تفيض دمعاً .. لكنُه دمع الحُب .. و ليس اشتياقاً
أبداً ... سأهرب ،، أهرب بكرامتي بعيداً عن أرضك ، أنا لا أُنفى ليسكن وطني
الأغراب كما قال نزار .. أنا أرحل .. و وليأتي لأرضك من يشاء .. أنا فقط أبتعد ..
أبتعد كي لا أُهان أكثر .. يكفي من الحُب مهانة .. صمتك كان ذُلاً و احتراماً
للحُب صبرت .. لكنّي امرأة لا تقوى على الحضور في أوجِ الغياب ، لا تقوى على
البقاء .. في أرضِ سُلبَت فيها الكرامة .. سأرحل حاملةً معي صندوق وعودك ، و
أتسلّح بها كلما ذكرتك أو داهمني الاشتياق ... دعكَ من كُل ماقلت .. أمنتك الله في
قلبي .. و لم تكن لتؤتَمَن .. و هذه المرة ... في أمان الله!