لا أستطيع التفكير مطلقاً يا مريم كيف ستكون وداعيات الليالي الغجرية ، وكيف لتلك الأيام أن تمحي و تزيل آمالاً قد رسمتها على سطح رمل ,. وكيف لأيام الفقد أن تنفخ ريحاً لتتناثر بها الأحلام هباءاً منثوراً , في العشر الأواخر دعوت الله بأن يملكّني قلبه إلى أن توافيني المنيّة , لم و لن أخبره بدعواي , فربماَ يصارع القدر عناداً لرغبتي , في ليلة الوداع سوف تغرب الشمس من المشرق , و سوف أزفر قبل أن أشهق أكسجيناً, فهو الأكسجين ، فلن أصنعه ما إن كان هو قد رحل , ربّما لدبلن نصيب في احتضانه ,. سأصارحك بأنني دعوت أن تحويه دبلن بدلاً من ألمانيا الخليجية من الطراز الأول ,. فدبلن تكاد تخلو من القهوة العربية المرّة ,. قلباً و قالباً ,. فقهوته العمانية لن يرتشفها من أيدي ناعمة في دبلن ,. ولكن هناك من الإحتمال ما يفوق التصوّر فحسب , ليؤكد لي نسبة وقوع ماتخيلته من تجرّعه فناجين القهوة مع الحلوى العمانية الساخنة من أيدٍ بضّة ,. أمامي أقل من شهر لإحتضان عينه , بل و لملامسة أنامله و كفّيه , فلن يتسنّى لي الإرتماء في كنف حنانه بعد أن يرحل , فعشرة شهور تأهيل بلا استنشاق رائحة الوطن أمر يصعب علي أكثر مما سيصعب عليه , قال لي سأفتقد والدتي و أخي و باقي أفراد العائلة , ولكن لم يقل سأشتاق إليكِ, وضعت احتمالاً جنونياً بأنه سيستثنيني بل ربمّا لأنه لا يراني يومياً ,. وسيحادثني من نهب أوروبا , التي سلبته منّ جوفَي و أحشائي , كطفلي الباكي , وأنا لا أراه ,. سأشعر بحرارة دمعه في ليلات الفقد و الأوجاع , سأشعر بمرضه ما إن لم يجد من يضع له الكمادات و يهتم ويوبخّه بأن عليه أن يقابل الطبيب و يلتزم بالأدوية الموصوفة ,. سأشعر به ما إن شعر بالضياع و اللوعة و الإغتراب , ربّما لن يشحنني في باقة حقائبه , ولكنّه أخذني معه بين أضلاعه و صدره ,. فعلى جميع ركاب الطائرة اقتناء تذاكرهم الخاصة ,. إلا أنا , فقد ذهبت معه , بلا تذكره و لا حقائب و لا جواز سفر كما قلتِ يا مريم ,. مريم ، هل تؤمنين بأن تخرّجنا من الثانوية العامّة سيكون مرّاً بعض الشيء ؟ فكيف لآخر سنة يجب أن نكثّف اهتمامنا فيها و نصّفي الأذهان ، بأن تكون كما خططنا وهم شدّوا رحالهم غير آبهين بمصير بنات الثانوية ,, أنا أعرف و أؤمن بأن المستقبل يخبئ لنا الأفضل ,. ولكن ، ما حكاية استقصاد سبتمبر ؟ على مشارف الدراسة ,. سينقلون أماكننا في قلوبهم , فأنا أيقن بأن سلطان لن يثبتني في بؤرة العشق و الهيام في مضاجع قلبه ,. بل أنه سوف يغيّر مقعدي في حجم كفّه , إلى أي مكان يرغب ما إن يصعد سلالم الطائرة بسلام , سيعيد ترتيب غرامياتنا على متن الطائرة , خصوصاً بأن 9 ساعات و أكثر كفيلة بأن تجعله في قمة الاستجمام و الراحة وصفاء الذهن كي يرى بأنني لا أناسب هذه المكانة من القلب ,. خاصةً وهو في قارّة أخرى ,. من هنا أعلن بأنني استخدمت كافة سبل الاقناع كي يتوجّه إلى دبلن ، لعل لي نصيباً في لقياه في قلب ( دبلنيا ) , مريم , أتعتقدين أن فعلاً نهاية سبتمبر ستموت جميع أحلامنا ؟ سيرحلون ويتركون هنا قلوباً مجهشة بالبكاء و النحيب , و اسقاط الدمع أطلالاً رسمت على الموج! و كذلك اعادة هيكلة تفاصيل الذكريات المقيتة , أو تمعّن الصور التذكارية القهرية , فبأي وجه حق يحطّمون الآمال ؟ , بعد سنة ربّما باستخارتي خيرة لدبلن ، ربّما أهمّ بلحاقه , ولكن ستكون الفاجعة و الألم الأكبر حين ينتهي هو من دراسته و أستفرد في غربتي لمدة سنة كاملة ليرجع هو دياره , لذا , سأعيد التفكير في هذه الفكرة الجنونية الحمقاء , لا أريد تجرّع كؤوس خيبة الآمال أكثر , ولا تحطيم الأحلام , ولا أريد نكهات الوداع أن تطغى على مدى اشتياقي , فهناك لذة في ارتشاف مر الرحيل , كاللقاء بعد جرعات الشوق , أو ما يسمّى بالأمل , و الأخذ بالإيجابيات , تصبيراً و مواساةً لنفسي لا غير .
مريم ,. في هذه الأثناء وأنا أخط لك هذه الأحرف , جاءني أجمل خبر , ودعوت الله بأن يكون خيرةً كجماله في قلبي و فكري , مريم ، ستكون دبلن كما دعوت هي المستضيفة له , وسيتوسد أحضانها 5 سنوات أو أكثر قليلاً , سيرتاد الأماكن التي كنت أحاوره خيالاً فيها , وأنا أتخيّ ممارسة طقوس عشقنا وغرامياتنا في قلبها , ذهبت إليها ، و سيراها هو أيضاً , ولكن كل منّا استفرد ذاته , ولكن لا بأس ، مجرّد الشعود بأن عيناه تحتضن ما قد رأيت ، سأشعر براحة , سيقول لي ذهبت إلى قلب دبلن , و رأيت الطبقة الفقيرة أو المحتاجة من المجتمع تتغنى وتتراقص و ترسم و تظهر عروضاً على شارع ( ستيفنز قرين ) كي تتقاضى المال مقابل ذلك , وسيقول لي ، رأيت العامود الطويل الذي صورتِه لي ، و رأيت المحل الذي يحمل حرفي و حرفك , و تجولّت في ذات الشارع الذي عشتِي فيه شهراً و اسبوعين .
مريم , 9 ساعات , وهم في السماء ,. كيف لي أن أستوعب عدم تشاجري معهم 9 ساعات ؟ حتى النوم ، قلّت ساعاته كي تزداد ساعات حديثي معهم !! , 9 ساعات وهم بين السماء والأرض , كيف سيهدأ لي بال ؟ انظري الى ما اكترثت , هه حقاً أكاد أجنّ , سلطان سيرحل و هو باسم الثغر موّدعاً إياني وكأنما هو عائد غداً !
شعَور الفقد يملؤني , رحيلك غداً يشغلني كثيراً , لا أدري أين سأكون بعد سنة من الآن , هل سيأويني قلبك أم سينضب كل ما قد حلمنا به , أتذكر ؟ أم آتي لك بالتفاصيل التي في جعبتي ؟ هل تحبّذ أن أقصّ عليك حكايا كنّا بالأمس قد نسيناها ؟ كالخيانات و الغدر , لن أنكر بأنني كنت المتعجرفة التي لم تآبه إلا طعن و غدر الرجال حفاظاً على كرامة كل أنثى خانها رجل , ولكن سرعان ما انقلبت الآية حتّى أقع في مصيدة غرامك بلا استيعاب ، كيف لي أن يخونني هذا الرجل ، و أنا هنا من أجل الإنتقام , لا يهم كلها أساطير أوليّة لا يجب علينا تذكرها ونحن في سكرة العشق و الهيام , فدعني ارتشف من كؤوسك قليلاً علّني أستطيع أن أيقن كيف لك أن ترحل من هنا , وكيف لك أن تترك جميع هذه الذكريات محطّمة ممزقة , لا تملك سوى قلباً يبكي على أطلال ذاك الحبّ , قصة أزلية , و مغامرات ليلية , و جنون ليلى العصريّة , مريم ، خذي الحلو من المرّ , تهنين , ولكن , كيف لكِ بأن تتجرعي القهوة بلذّة دون مرّها ؟ لا تلقي بالاً لما أقول , فأنا أواسيكِ وأنا أشدّ حرقةً و قهراً منكِ على ما سيسلب منّا بعد نهاية سبتمبر , ستكون ذكرى لا تُنسى لي , ولكِ , زلال الماء لا يدوم ، و كذلك هذه الغراميات لن تدوم , فها هو الرجل الشرقي يهمّ اعترافاً بأن كل رجل يفقد اهتمامه بالأنثى بمجرد اعترافها أو اهتمامها , فلنبقي عشقنا في الصدور , فهو أأمن مكان لن يحاسبنا عليه سوا الربّ , فهنا في معشر الأنس ، لا يرحمون ، بل لا يفقهون !! ألم نُخلق من طين كما هم ؟ أم نحن دون ذلك ؟ سيبكي الحبّ على قارعة الطريق يوماً , ولن يجد منديلاً يزيح العبء عن مقلتيه , وستبكي الديار فقداً لمحبوبي , و هناك ، أبوظبي لن تقلّها بشيء , مريم ، أجواء مقيتة حقاّ أعيشها في ظلّ الترتيبات والتجهيزات للرحيل , وكأنني أعيش في منزلهم مع تلك الترتيبات و التجهيزات و التدوين اليومي الموثق بالصور يصلني , بأنه سيرحل , ( يـااه , أيشعر ؟ )
مريم , كيف يجزم البعد من عجاجة الأفكار المتراكمة , كيف سيزيح همّاً سيرافقني طيلة ليالي النوى , هل سيركنني قتيلةٍ شوقٍ يلحقني الوصم من بعده ؟ هل سيعالج سقمَي بما هو أشد سقماً!! , ها هو يرحل الآن , و سأبقى نهايةً غير مغلقة كي يختمني أحد السيّارة , كيف لي أن اتجرّع الثكل و أنا مازلت عشقى ؟ تركت القدر للجد , ولم تحالفنِ الجدود ولم تنصفني أبداً , هنا سأكرر جملةً أخرى , لن ينضب سيَبي من خميس الأشواق الدامي , اذهب , عُد في سبتمبر القادم , كي لا أضطر نسيان الذاكرة في هذا الشهر بعد عام , كي لا تشتعل بي الأشواق حرقةً و ولوعة فقد و قهراً , لن أعدك بأنني لن أتلدد في غيابك , ولكن كن واثقاً , عشق آخر في لبّ قلبك ، يعني عشقاً آخراً في قلب مسقط .
كُتبت رداً على مريم العصري ..