الأحد، 26 يناير 2014

حضرة السيّد ... حُب !


حبيبي .. ذاك البعيد جداً .. القريب أكثر ، حبيبي ذاك الذي أكتبه في جميع قصائدي و أشعاري ، و أنسج له خيوطاً من الغزَل الفاحش ، و ألقي على مسامع المئات كلمات المدح فيه ، و أتوحّد به كل ليلة .. و أسرح بخيالي معه في عتمات غيابِه ، حبيبي ذاك الذي لم يأتِ بعد ، ولم أره قط .. حبيبي الذي طالما كتبته رجُلاً وسيماً شرقياً يُسرف في غيرتِه ، يُمجّد حُبه و حبيبته ... يغزُلني حُباً و يحيكني عِشقاً ... باءت كل محاولاتي في الحُب بالفشل ، أيعني ذلك أني لستُ صالِحة للحُب ؟ أو أن قلبي ليس أهلاً للعشق ؟ أم أن صبراً جميلاً و موعدي بالأجمل ؟ لم ينفد صبري يوماً ما ، ففي كل مرة أقول هي تلك المُـنتظرة .. في كل مرة أظن أنها الأنسب ، و الأبقى ، و الأجمل .. تُسلب منّي جميع أحلامي في لحظة ، تموت كل أوهامي ، في كُل مرةٍ أظن أنه الرجل المناسب ، يبتعد ويرحل .. و كأنما هناكَ شيئاً ينفر منه الرجال في قلبي ، أهو الصِدق المٌسرف فيه ، أم أنه عهد الوفاء الذي أقطعه على نفسي و على رجُلي ألا أتنفس عطر رجل غيره ، و لا أستنشق هواء غيره ؟ الرجال لا يُحبون الاخلاص ، لأنه شبح يطاردهم ، يحكرهم بين جدران امرأة واحِدة .. و غالباً ما يكره الرجل الشرقي الاحتكار و يهوى التغيير و الحُرية المٌطلقَة ! يبدو أنها لعنة حلّت علي ، أو أنها دعوة  أحد العشرات الذين رفضتهم ، فقد كُنت أبتعد عن الجميع و أُنفِر كل الرجال منّي دائماً ، لم أكن مستعدة للحُب ، لم أكن أصلح آنذاك بأن أعشق من جديد ، كنتُ ما زلت أبكي على أطلالِ حكاية قديمة جداً ، انتهت و ماتت و دُفنت .. و الآن .. عندما نسيت ما كان ، و بدأت بإنّ .. لم أجد رجُلا قادراً على الوقوع في قلبِ امرأة مثلي ، تُعطي الكثير ، حتى تشعره بالتقصير .. و البُخل ، و تأنيب الضمير .. تُسرف في اهتمامها ، حتى يشعر بأنه الرجل الوحيد على هذا الكوكب الضخم ، أو أنه ملك في قصر الحُب أو مدينته .. لم أجد رجلاً يحتمل غزلي و كلماتي و مدحي و ربما عيني ذات النظرات الحادّة ، التي قد يثمل من دمعها إن بكت بغُنج ، أو قد يقع في شباك أحضاني إن سمِع اسمه بصوتِي عالياً .. أفعلاً لا يوجد رجل يحتمل قلباً كقلبي ؟ أم أن الحظ قد عبس في وجهي فقط ؟

كل ليلة ، أنطوي في زاوية الحرمان ، في عتمة الحُب المسلوب منّي .. أُمجّد حبيباً لا أعرف لهُ لون من قامَة ، أخطو نحو عتبة باب الحُب .. ثم أعود بالخذلان ، لا أحد يصلح للحب في هذه المدينة ، جميع الرجال ينهشون أجساد النساء ثم يرحلون بطهارة .. جميعهم يوعدون ، يُقسمون ، ثم يهمّون بغياباتهم دون تبرير .. و لا قانون يردعهم في شرع الحُب ، لأنهم رجالاً لا تشملهم القوانين ولا التشريعات ... الوِحدة قاتِلة .. قاتِلة جداً ، فمن اعتادت على حُبٍ عذري لمدة أربعة سنوات ، و انغمست في يوميات و عادات محفوفة بالحُب ، يصعب عليها أن تتخلى عن عاداتِها لمدة تزيد عن السنتين ، تحت رغبة رجل أوحى له قلبه أن يرحل ، و أنه قد اكتفى من الحُب ، و أن الحُب بعد أربعة سنوات ، أصبح شيئا سخيفاً لا يستحق أن يضيع وقته من أجله ، و أن النساء جميعهن محرمات عليه ، و هو لا يقبل في الحرام ، بل أعني أنها هي قد حُرّمت عليه ، لأنه قد شبِع من وصلها ، و غزلِها و كلماتِها و قصائِدها ، أما حان الوقت للتغيير ؟ أن يُجرب أخرى لا تجيد كتابته ، ربما تجيد رسمه هذه المرّة .. أو الغِناء بصوتٍ عذب لا يشبه صوتها الصاخِب . . أو ربما تحترف التحايل عليه ، كي تبقى مدةً أطول في حياته ، قبل أن تختار له أمه الزوجة المُناسبة ..!! أو حتى أن تكون الأخيرة .. قبل أن يتزوج ..!! في كل الأحوال .. لن تأتيه تِلك الأُنثى التي تنسيه إياني ، أو حتى تستطيع أن تحتل مكاني ....

 

 الحُب يأتي دون تخطيط مُسبق ، دون أن نعقد النيّة للحُب أو دون أن يستأذن هو بالدخول إلى قلوبنا .. يغزو كمُحتّل مُحتال .. يجتاح جميع الحواجز ، يعبر كل الحدود و المنافذ ، يستعمر كل أرجاء القلب ، يخطو خطواته الأولى نحو الأوردة و الشرايين حتى خلايا المُخ ، ليضمن البقاء في أجسادنا حتى الهلاك ، لهذا دائما يصعب علينا النسيان ... و لأن الحُب لا يأتي بموعد ، و لا يعرِف آداب الدُخول .. علينا أن نقنع تمامًا بمبدأ الحُب ، فهو يحتمل الربح و الخسارة ، يحتمل البقاء و الرحيل .. علينا أن نقنع بجميع المبادئ و القوانين التي جاءت في شرع الحُب ، علينا أن نبقى إلى آخر لحظة نصارع من أجل البقاء في عُش الهيام ، هناك بروتوكولات صارمة في الحُب ، يُنفى من أرضِه مَن يعصِها ، لذا علينا أن نحفظها عن ظهر قلب و نطبّقها في كل ليلة تمضي بنا تحت أشجار الغرام ونحن نسامِر الليل و القمر و النجم .. أما حان للحب أن يأتِي ؟ تزاحمت الكلمات ، تبعثرت الأوراق ،  نزفت الأقلام حُباً .. و ما زال غائب .. حضرة السيّد .. حُب !
 
3:45 ص
27/1/2014